آخر المواضيع

    الأربعاء، 14 أكتوبر 2026

    لماذا تصمت الحكومة السورية أمام التوغلات الإسرائيلية اليومية

     لماذا تصمت الحكومة السورية أمام التوغلات الإسرائيلية اليومية

    لماذا تصمت الحكومة السورية أمام التوغلات الإسرائيلية اليومية

    لماذا تصمت الحكومة السورية أمام التوغلات الإسرائيلية اليومية


    يتساءل الكثيرون: لماذا تصمت الحكومة السورية أمام التوغلات الإسرائيلية اليومية، وانتهاك الحدود، وعمليات الاعتقال والقتل؟


    لكن السؤال الصحيح ليس لماذا تصمت الحكومة، بل ماذا تستطيع أن تفعل في ظل موازين القوى العسكرية الحالية؟


    إذا قررنا المواجهة المباشرة، فبماذا سنواجه؟


    إسرائيل تمتلك طائرات حربية متطورة، وسلاحاً جوياً نوعياً لا نمتلك اليوم القدرة الكافية على ردعه، وتمتلك طائرات مسيّرة تستطيع استهداف مجموعة تضم عشرات العناصر بصاروخ واحد، وحتى لو نجحنا في إسقاط إحدى تلك المسيّرات، فإن خسارتها بالنسبة لإسرائيل قد تكون محدودة، ويمكن تعويضها بسهولة.


    وإذا حشدنا قواتنا على الحدود، فقد تتحول هذه القوات إلى أهداف مكشوفة أمام التفوق الجوي الإسرائيلي. وإذا استخدمنا الأسلحة التقليدية، فإننا نخاطر بالدخول في مواجهة غير متكافئة، قد نخسر فيها من الرجال والمعدات أكثر مما نحققه من نتائج.


    وما جرى في بيت جن وكويا ونوى يذكّرنا بحقيقة هذا الاختلال في موازين القوى، وبالثمن الذي يمكن أن يدفعه السوريون نتيجة الاعتداءات الإسرائيلية.


    إذن، هل الحل أن نبقى صامتين، ونكتفي بإصدار بيانات الإدانة والاستنكار كلما توغلت إسرائيل واعتقلت مواطناً أو قتلت آخر؟


    بالتأكيد لا.


    لكن المواجهة لا تعني بالضرورة أن نذهب إلى حرب تقليدية نعرف مسبقاً حجم الخسائر التي قد نتكبدها فيها.


    لاحظوا التجربة الإيرانية.


    إيران لم تستطع الوصول إلى مستوى التفوق الجوي الإسرائيلي، ولم تمتلك طائرات شبحية تضاهي مقاتلات F-35، لكنها اتجهت إلى تطوير الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، حتى أصبحت تمتلك وسائل تستطيع الوصول إلى العمق الإسرائيلي.


    صحيح أن الطيران الحربي أكثر مرونة ودقة في كثير من المهام، لكن إيران حاولت تعويض جزء من الفجوة الجوية بقدرات صاروخية، وأصبحت الصواريخ إحدى أدوات الردع المتبادل.


    وهنا السؤال: لماذا لا تبدأ سوريا بالتفكير في بناء قوة ردع تناسب إمكاناتها، بدلاً من محاولة مجاراة إسرائيل في المجالات التي تتفوق فيها؟


    أمام سوريا عدة خيارات يمكن العمل عليها بالتوازي.


    أولاً: بناء قدرات دفاع جوي أكثر تطوراً، والاستثمار في وسائل الإنذار المبكر والرصد والحماية الإلكترونية، لأن حماية الأجواء السورية يجب أن تكون أولوية وطنية، حتى لو احتاج تحقيقها إلى سنوات.


    ثانياً: الاستفادة من المقاتلين أصحاب الخبرة، بمن فيهم عناصر العصائب وغيرها من التشكيلات، وإعداد مجموعات عالية التدريب والانضباط ضمن مؤسسة عسكرية موحدة، تكون مهمتها حماية المناطق الحدودية والتعامل باحترافية مع التوغلات، وفق قيادة واضحة وقواعد اشتباك منضبطة، بعيداً عن المواجهات العشوائية التي قد تكلّفنا خسائر كبيرة.


    ثالثاً: إعادة النظر في حماية المواقع الحساسة للدولة، وتأمين المرافق الحيوية، وتوفير مواقع بديلة لاستمرار عمل المؤسسات، بحيث لا يؤدي استهداف مبنى أو منشأة إلى شلل مؤسسات الدولة أو فقدان قدراتها الأساسية.


    رابعاً: الاستثمار في صناعة الطائرات المسيّرة النوعية، وتطوير التكنولوجيا المرتبطة بها. فسوريا تمتلك كفاءات هندسية وعلمية يمكن البناء عليها، وصناعة المسيّرات أقل كلفة من بناء سلاح جوي تقليدي متكامل، وإن كان إنتاج منظومات متقدمة وموثوقة يحتاج إلى خبرات وتمويل ووقت.


    خامساً: تطوير الصناعات الدفاعية المحلية بصورة تدريجية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، وبناء قاعدة علمية وتقنية تستطيع خدمة الجيش السوري لسنوات طويلة.


    سادساً: تعزيز حماية الحدود من خلال المراقبة والاستطلاع والإنذار المبكر، بما يسمح بحماية المدنيين وتقليل المفاجآت والخسائر، بدلاً من انتظار وقوع التوغل ثم التعامل مع نتائجه.


    سابعاً: فتح مسار دبلوماسي وقانوني مستمر لتوثيق الاعتداءات الإسرائيلية، وملاحقة ملفات الاعتقال والقتل وانتهاك السيادة أمام المؤسسات الدولية، مع العمل على بناء تفاهمات وضمانات دولية تحدّ من حرية إسرائيل في تكرار تلك الاعتداءات.


    ثامناً: بناء شراكات دفاعية وتقنية مع الدول الصديقة، والاستفادة من خبراتها في التدريب والتصنيع والحماية الجوية، بما يخدم استقلال القرار العسكري السوري.


    لكن الأهم من كل ذلك أن نفهم أن بناء قوة الردع لا يحدث بقرار سياسي أو بخطاب حماسي، وإنما يحتاج إلى مشروع دولة، وتخطيط طويل المدى، ومؤسسات قوية، واقتصاد قادر على تمويل هذه القدرات.


    فالدولة التي لا تستطيع خوض الحرب اليوم، ليس مطلوباً منها أن تنتحر عسكرياً لإثبات شجاعتها، لكن المطلوب منها أن تعمل حتى لا تبقى عاجزة عن حماية حدودها غداً.


    أنا لا أدعو إلى فتح حرب مع إسرائيل، ولا أرى أن سوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب والدمار تستطيع تحمل مواجهة عسكرية واسعة جديدة.


    لكنني في الوقت نفسه أرفض أن يتحول اختلال موازين القوى إلى مبرر دائم للصمت والعجز.


    هناك فرق كبير بين دولة تتجنب الحرب لأنها تدرك حجم المخاطر، ودولة لا تعمل على امتلاك الخيارات التي تمنع الآخرين من فرض إرادتهم عليها.


    نحن لا نحتاج إلى حرب غداً، بل نحتاج إلى أن نبني اليوم القوة التي تجعل الاعتداء علينا غداً أكثر كلفة.


    فإسرائيل لا تحسب حساب البيانات، وإنما تحسب حساب المصالح والمخاطر والكلفة السياسية والعسكرية.


    وإذا كانت سوريا اليوم غير قادرة على فرض معادلة ردع متكافئة، فهذا لا يعني أن تقبل ببقاء هذه المعادلة إلى الأبد.


    الخلاصة: ليس المطلوب أن نذهب إلى حرب لا نستطيع تحملها، وليس مقبولاً أيضاً أن نعتاد على انتهاك سيادتنا. المطلوب أن نبدأ من الآن ببناء دولة تستطيع حماية نفسها، حتى يأتي اليوم الذي لا تكون فيه حدودنا ساحة مفتوحة لكل من يريد التوغل والاعتداء


    ليست هناك تعليقات:

    إرسال تعليق

    اترك تعليق لتشجيعنا على الاستمرار دمتم بكل خير مع تحيات شبكة زينو ياسر محاميد

    ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.