غفلة الراعي والذئب على الباب: رحلة اللهو التي تسبق الهاوية
رحلة اللهو التي تسبق الهاوية
كان الموسيقار والمُغني العباسي الشهير عبد المؤمن بن يوسف بن فاخر الأرموي البغدادي، ممن عاصر إجتياح التتار لبغداد سنة 656هــ .
ففي يوم من ايام الخلافة العباسية قامت المغنية الشهيرة في بغداد والتي تدعى لحاظ وهي فائقة الجمال بأداء أغنية لصفي الدين فاخر الأرموي البغدادي امام الخليفة المستعصم بلحن عجيب ، فسألها الخليفة عن صاحب هذا اللحن فقالت معلمي الارموي البغدادي ، فأمر بأحضاره فضرب العود بين يديه فأعجب به الخليفه وأمره بملازمة مجلسه وراتب خمسة الاف دينار سنوياً
فيديو للرئيس السوري أحمد الشرع يخرج من مركز تجاري في العاصمة دمشق ويقود سيارته بنفسه مرتديًا ملابس "كاجوال" pic.twitter.com/y7wPip4QqF
— العربية (@AlArabiya) October 2, 2026
و هكذا كان آخر خليفه عباسي ببغداد يقضي الكثير من اوقاته بالاستماع الى موسيقى الارموي البغدادي حتى تولى الآرموي البغدادي منصب رئيس الموسيقيين في البلاط العباسي ومدير مكتب الخليفه المستعصم والصديق المقرب له ... و قد جمع ثروة كبيرة من إحياء الحفلات للخيفة و كبراء الدولة و الاعيان
وكان يعلم أولاد المستعصم الموسيقى وضرب العود إضافة إلى إسماع الخليفة (الفاشل) الأغاني ومشاركته مجالس الفساد
يصف ابن الطقطقي حال الخليفة المستعصم بقوله: وكان المستعصم آخر الخلفاء شديد الكلف باللهو واللعب وسماع الأغاني، لا يكاد مجلسه يخلو من ذلك ساعةً واحدةً، وكان ندماؤه وحاشيته جميعهم منهمكين معه على التنعم واللذات، لا يراعون له صلاحاً..
و اتجه المغول نحو بغداد لدمارها ، و حشد لها قائدهم الدموي هولاكو كل جيشه ، كل ذلك والخليفة عاكف على سماع الأغاني واستماع المثالث والمثاني، وملكه قد أصبح واهي المباني.
ومما اشتهر عنه أنه كتب إلى بدر الدين لؤلؤ - صاحب الموصل يطلب منه جماعةً من ذوي الطرب، وفي تلك الحال وصل رسول السلطان هولاكو إليه يطلب منه منجنيقات وآلات الحصار، فقال بدر الدين: انظروا إلى المطلوبيْن، وابكوا على الإسلام وأهله"..
فلما سقطت بغداد بأيدي المغول و قتل الخليفة و رجال دولته ، و أباد التتار أغلب الناس فيها ، حتى قيل انهم قتلوا من أهلها حوالي مليونين مسلم ، كان المطرب ( عبد المؤمن بن يوسف بن فاخر) من القلائل الذين نجوا من سيوف المغول مع نصارى بغداد !.
و اندفع المغول يسعون في بغداد فسادًا، و أكثروا فيها القتل و الفساد وخربوا الديار و القصور وهدموا المساجد و المكتبات ، واستمر هذا الوضع الأليم أربعين يومًا كاملة.. وامتلأت شوارع بغداد بتلال الجثث المتعفنة ، واكتست الشوارع باللون الأحمر، وعم السكون عاصمة الرشيد ، فلا يسمع فيها أحد إلا أصوات ضحكات التتار الماجنة.. أو أصوات بكاء و أنين النساء والأطفال بعد أن فقدوا كل شيء.
و في وسط هذا الوضع المأساوي الذي يذيب الصخور حزنا و كمدا اذ بفنان بغداد الشهير يعد حفل ساهر للقائد الميداني للجيش المغولي (بانوانوين) المسؤول عن المجزرة و مرافقيه من قادة المغول الذي لم تجف سيوفهم بعد من دم المسلمين ، ويستضيفهم في قصره الفاخر الذي يبدو انه نجى من الدمار ، ليقيم مادبة على شرفهم ، و حين فتح لهم الباب خر المطرب ساجدا و قبل الأرض بين يدي قائد المغول و ترجاه أن يقبل هذه الضيافة ....
و أعد الفنان لضيوفه المغول المجلس و قدم لهم الخمور التي كانت منتشرة في بغداد قبيل سقوطها ، بعد أن فسد حال الناس وخلت المساجد وتعطلت حلقات العلم وتوقفت حركة التأليف و العلم والترجمة !
و بعد أن قدم الفنان الفاسد ما لذ و طاب لقائد المغول و حاشيته و لعبت الخمرة برؤوسهم ، قدم الفنان فقرة رقص الجواري الحسان تحت ايقاع الانغام البغدادية فرحن يغنين و يرقصن بخلاعة للمغول ، ليمارس القائد (بانوانوين ) الفاحشة مع جارية منهن أمام انظار المغني الفاسد و مائة من الحاضرين من أثرياء و وجهاء بغداد الفاسدين المدعويين للحفل و المطربين و الفرق موسيقية في مشهد لا يخلوا من الدياثة كما جاء في كتاب مسالك الابصار في ممالك الأمصار ج10 صــ 500 !...
ثم أرسل الفنان مع القائد المغولي التحايا و الهدايا النفيسة لسيده هولاكو ! وحضر صفي الدين الآرموي البغدادي عند هولاكو بعد دخوله بغداد ، وغنى بحضرته فأعجب غناءه هولاكو وعزف فأعجبه عزفه كثيراً فضاعف هولاكو راتبه السنوي وجعله عشرة الآف دينار سنوياً وبعد هولاكو اتصل الأرموي البغدادي بخدمة علاء الدين وهو والي بغداد من قبل هولاكو ، وبمساعدة فنه، تمكن من الحصول على موطئ قدم عند المغول
و هكذا انتقل الفنان من صديق الخليفة المستعصم المقرب و نديمه الى الخادم الذليل لهولاكو وقادة جيشه ولم يتأخر لحظة في تقديم خدماته من خمور و نساء للمغول وجعل من بيته خمارة و ماخور لممارسة الفواحش بشكل علني بهيمي ....و في الاخير كانت نهاية المغني الفاسد عبرة لمن يعتبر ، ففي اواخر عمره غلبت عليه الديون حيث مات في السجن بسبب دين عليه (300 دينار) و كان عند سقوط بغداد يملك أموال تساوي ميزانية دول ، فتقلب به الحال ليموت مسجونا في مبلغ حقير ( جَزَاءً وِفَاقًا ) .
الخلاصة :
أن أهل الفن والطرب لا أخلاق لهم ولا عهد ولا ذمة ، فهم عبيد لشهواتهم و عبيد لكل حاكم ، وخدم لكل ذي مال و جاه ، يبغضون أهل العفة والشرف و الدين ، و الشقي التعيس من اتخذ هؤلاء الفساق قدوة له في حياته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اترك تعليق لتشجيعنا على الاستمرار دمتم بكل خير مع تحيات شبكة زينو ياسر محاميد
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.