آخر المواضيع

    الجمعة، 29 أغسطس 2025

    مشفى الجولان الوطني مصنع الأرواح المستهلكة

     مشفى الجولان الوطني مصنع الأرواح المستهلكة

    مشفى الجولان الوطني مصنع الأرواح المستهلكة

    مشفى الجولان الوطني مصنع الأرواح المستهلكة


    يبدو أننا دخلنا "منتجع الجولان الوطني" منذ خمسة أيام ولم نغادره، لا لأنه فندق خمس نجوم ولا لأنه يقدّم وجبة الإفطار مع منظر بانورامي على جبل الشيخ، بل لأنه ببساطة ثقب أسود يبتلع الداخلين إليه أحياء ويخرجهم أرقامًا في سجلات الوفيات.


    حادث سير عابر على طريق دمشق – خان أرنبة… شاب اسمه #محمد_كمال_السعيد يصل إلى المشفى وهو يتكلم، يتنفس، يصرخ من الوجع، أي أنه ما زال في "حالة إنسانية كاملة". الأطباء الكرام أجمعوا أن وضعه "مستقر" وأنه لا يحتاج إلا لعملية "تركيب سيخ" في ساقه، وكأن الشاب دراجة هوائية تحتاج لتصليح الجنزير.


    دخل قسم الأشعة ليضيف نكهة إنسانية جديدة: البنت المسؤولة تعاملت مع المصاب وكأنها تجهز جثة لصور الهوية. "لفو يمين، لفو شمال، امسكو راسو، امسكو دقنو"، بينما الدم يملأ النقالة، وهي تنتظر أن نتوسل إليها كي تضغط على زر الجهاز. شكراً على اللطف.

    شاهد هنا 

    بعدها تبدأ اللعبة الوطنية المفضلة: لعبة "التحويل إلى دمشق". هذه اللعبة تحتاج إلى ستين توقيعًا، ثلاثين ختمًا، عشرين مكالمة، وربما طقوس بخور وحجاب من العرّافة. أربع ساعات من الاستمارات والطلبات، بينما محمد كمال السعيد ينزف كأنه بئر ماء مثقوب، والجميع يردد: "وضعو مستقر".


    وعندما وصل أخيرًا إلى دمشق، اكتشفوا أنه كان ينزف داخليًا في فخذه، نزيف كفيل بأن يودع أي إنسان الدنيا خلال دقائق، فكيف بأربع ساعات من البيروقراطية؟ وهكذا تحولت "سلامتك" إلى "الله يرحمك" في زمن قياسي.

    شاهد هنا

    أما الوريد، ذلك اللغز الطبي، فقد ظل عصيًا على الاكتشاف. أربعة ساعات ومحمد كمال السعيد ينزف، والكوادر مشغولة بالبحث عن الوريد الضائع، وكأنها لعبة "وين ويني" الطبية. في النهاية، لم يجدوا الوريد… لكن وجدوا شهادة الوفاة.


    هذا ليس مشفى. هذا مسلخ معقم. مكان يذبح فيه البشر بالبرادات والمطهرات، وتُوزّع فيه كلمات مثل "الوضع مستقر" و"ما في خوف" كأنها مسكّنات مجانية.


    نعم، قضاء الله لا مفر منه، لكن الغباء ليس قضاء الله. الغباء صناعة وطنية مسجّلة باسم إدارات المشافي. محمد كمال السعيد لم يمت بحادث السير، بل مات ببيروقراطية الدم، وإهمال يساوي جريمة قتل مع سبق الإصرار الإداري.

    شاهد هنا 

    محمد كمال السعيد… رحمة الله عليك. أما أنتم أيها الأطباء والإداريون، فموعدكم ليس مع لجنة تحقيق ولا وزارة صحة، موعدكم أمام الله، وهناك لن ينفعكم التقرير الطبي ولا الاختام الحمراء.


    الدومري

    ليست هناك تعليقات:

    إرسال تعليق

    اترك تعليق لتشجيعنا على الاستمرار دمتم بكل خير مع تحيات شبكة زينو ياسر محاميد