وين بابا ؟ قصة مجاهد من وادي بردى معتقل لم تعد زوجته تملك إجابة لابنائه عن موعد عودته
![]() |
| ابو عمر الوادي |
ماذا لو كان الرجل الذي قضى سنوات شبابه في الجبهات، وعاد إلى قريته محمّلًا بالإصابات، يقبع اليوم خلف القضبان، بينما تنتظر عائلته معرفة مصيره؟
وماذا لو كان السؤال الذي يردده ثلاثة أطفال كل يوم، «وين بابا؟»، هو آخر ما تبقى لهم من تفاصيل حكاية رجل غاب عن منزلهم، ولم تعد والدتهم تملك إجابة واضحة عن موعد عودته؟
خلف هذا السؤال المؤلم، تقف قصة أحمد حسين زاهدة، المعروف بين رفاقه وأبناء بلدته بـ«أبو عمر الوادي» و«أبو عائشة»؛ شاب من الحسينية في وادي بردى، أمضى سنوات من عمره في ساحات القتال، وعاد إلى قريته بعد رحلة طويلة من الحرب والتهجير والإصابات، قبل أن يجد نفسه اليوم خلف القضبان.
لكن هذه القصة لا تتوقف عند رواية زوجة تناشد لإنصاف زوجها، بل تمتد إلى أبناء بلدته الذين عرفوه عن قرب، وإلى محطات من حياته لا تزال حاضرة في ذاكرة من عاصروه.
فمن هو أحمد حسين زاهدة؟ وما الذي يقوله أهالي الحسينية عن الرجل الذي عرفوه قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بقضية توقيفه؟
من الحسينية.. حيث بدأت الحكاية
نشأ أحمد حسين زاهدة في قرية الحسينية بوادي بردى، وهناك عرفه أبناء المنطقة منذ سنوات شبابه الأولى. وبحسب ما نقلناه من عدد من الأهالي الذين تواصلنا معهم، فإن أحمد يتمتع بشعبية واسعة ومكانة اجتماعية طيبة بين شريحة كبيرة من أبناء قريته، الذين يصفونه بالشجاعة وحب الخير والقرب من الناس.
ولا تأتي هذه الشهادات في سياق سرد سيرة عابرة، بل ضمن محاولة لفهم شخصية شاب عاش سنوات استثنائية، وترك حضوره في ذاكرة محيطه الاجتماعي، قبل أن تطرح قضيته اليوم أسئلة تتعلق بالعدالة والإنصاف.
معركة الحسينية عام 2016.. محطة لا يغفلها الأهالي
حين يعود أبناء الحسينية إلى الحديث عن أحمد، تبرز معركة الحسينية نهاية عام 2015 بوصفها إحدى المحطات التي يتوقفون عندها.
ويقول عدد ممن عاصروا تلك الأحداث إن أحمد كان من بين الشباب القلائل الذين رفضوا الاستسلام في ذلك الوقت، واستمر في القتال رغم الظروف الصعبة التي كانت تحيط بالمنطقة.
وتبقى هذه الروايات جزءًا من شهادات الأهالي عن تلك المرحلة، وهي شهادات نوردها لفهم سيرته كما يرويها أبناء بلدته، دون أن تكون بديلًا عن التحقق المستقل من التفاصيل العسكرية أو الوقائع المرتبطة بها.
سنوات على الجبهات.. إصابات وتهجير وعودة
وفق رواية زوجته، وما ورد في إفادات عدد من أبناء المنطقة، أمضى أحمد سنوات طويلة في صفوف الفصائل المسلحة، متنقلًا بين جبهات متعددة، قبل أن يخرج من تلك المرحلة مثقلًا بإصابات عديدة.
وتسرد زوجته في مناشدتها محطات من مشاركته في معارك مختلفة، بدءًا من القلمون ومناطق أخرى، مرورًا بجبهات إدلب والساحل، وصولًا إلى مشاركته في معركة «ردع العدوان والتحرير»، بحسب روايتها.
وتقول إن زوجها تعرض لإصابات في يده وعينه، وإن سنوات القتال تركت آثارًا جسدية بالغة عليه.
وبعد عودته إلى وادي بردى، تشير رواية الزوجة إلى أنه شارك في مهام تتعلق باستعادة أسلحة وممتلكات ومكافحة المخدرات، قبل أن يُوقَف خلال إحدى المهام التي تقول إنه نفذها بأمر من قائد مباشر.
ومن هنا، تتغير مسارات الحكاية: من رجل عاش سنوات الحرب، إلى أسرة تنتظر معرفة مصير ربّها.
ماذا يقول أهالي قريته عنه؟
في حديثنا مع عدد من أهالي الحسينية، تكررت إشارات إلى معرفة أحمد داخل قريته، وإلى ما يصفونه به من شجاعة وحب للخير وحضور اجتماعي.
ويقول من عرفوه إن أحمد لم يكن شخصًا مجهولًا في محيطه، وإن له علاقات واسعة مع أبناء المنطقة، فضلًا عن سيرة يربطونها بمراحل طويلة من حياته.
ونحن ننقل هذه الشهادات في إطار توثيق الانطباع الاجتماعي الذي يحمله بعض أبناء قريته عنه، مع التأكيد أن تقييم أي قضية قانونية يجب أن يستند إلى الوقائع والأدلة والإجراءات القضائية، لا إلى السمعة وحدها.
مناشدة لا تطلب إسقاط القانون
نحن لا نقول إن أحمد فوق القانون، ولا نطالب بإسقاط أي حق أو تعطيل أي تحقيق.
بل نؤكد أن المحاسبة العادلة حق للمجتمع، وأن أي شخص تثبت مسؤوليته عن جريمة يجب أن يخضع للقانون.
لكننا في الوقت نفسه نرفض أن تتحول المحاسبة إلى إدانة مسبقة، أو أن يصبح التوقيف حكمًا قبل اكتمال الإجراءات القضائية.
نحن لسنا ضد المحاسبة، بل نطالب بعدالة لا تستثني أحدًا.
نطالب بمراجعة قضية أحمد حسين زاهدة، والتحقق من ملابساتها، وضمان حقوقه القانونية، والاستماع إلى جميع الأطراف المعنية.
فإذا ثبت بحقه جرم، فليأخذ القانون مجراه. وإن لم تثبت التهمة، فمن حقه أن يُنصف.
خلف القضبان.. أسرة تنتظر
بعيدًا عن تفاصيل الجبهات والملفات، هناك أم تنتظر ابنها، وزوجة تنتظر زوجها، وثلاثة أطفال لا يعرفون من كل هذه القضية إلا غياب والدهم.
وتشير المناشدة إلى أن والدة أحمد ترقد في العناية المركزة إثر أزمة قلبية حادة، وفق ما ورد في المنشور، وسط حالة من الحزن والقلق داخل الأسرة.
هذه المعاناة الإنسانية لا تلغي ضرورة المحاسبة، لكنها تذكّر بأن وراء كل قضية أسرة وأشخاصًا يتأثرون بنتائجها.
كلمتنا إلى أصحاب القرار
نضع قضية أحمد حسين زاهدة أمام الجهات المختصة، مطالبين بالنظر في ملفه وفق معايير العدالة والشفافية، والتحقق من جميع ملابساته، وضمان حصوله على حقوقه القانونية كاملة.
لا نطلب امتيازًا لأحمد، ولا نضعه فوق القانون.
نطلب أن يكون القانون هو المرجع، وأن تكون الأدلة أساس الحكم، وأن يُمنح كل إنسان حقه في المحاكمة العادلة.
إنصاف أحمد، إن لم تثبت بحقه التهمة، لا يعني إسقاط المحاسبة. والمحاسبة، إذا ثبتت مسؤوليته، لا تعني التخلي عن حقوقه الإنسانية.
وفي نهاية هذه الحكاية، يبقى سؤال الأطفال حاضرًا، ينتظر جوابًا لا تملكه والدتهم:
«متى سيعود بابا؟»

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اترك تعليق لتشجيعنا على الاستمرار دمتم بكل خير مع تحيات شبكة زينو ياسر محاميد
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.