سيرة قائد من الزبداني بين السجن والحصار والتهجير والتحولات العسكرية
أبو عدنان الزبداني..
محمد عدنان زيتون، المعروف باسم أبو عدنان الزبداني، شخصية ارتبط اسمها بصورة وثيقة بتاريخ مدينة الزبداني العسكري والثوري منذ السنوات الأولى للثورة السورية. من السجن إلى قيادة العمل العسكري، ومن معارك الزبداني وحصارها إلى التهجير نحو الشمال السوري، ثم قيادة تشكيلات عسكرية جديدة، تحولت مسيرته إلى واحدة من القصص التي تعكس التحولات العميقة التي مر بها المشهد العسكري المعارض في سوريا.
وُلد أبو عدنان الزبداني عام 1977 في مدينة الزبداني بريف دمشق، المدينة التي ستصبح لاحقاً المسرح الأبرز في مسيرته العسكرية والسياسية. وتضعه مصادر توثيقية سورية ضمن الشخصيات التي لعبت أدواراً قيادية في الفصائل المعارضة، إذ تولى في مراحل مختلفة قيادة تشكيلات عسكرية، من بينها كتيبة حمزة بن عبد المطلب، ثم تولى قيادة «أحرار الشام» في الزبداني، وصولاً إلى قيادة «الفرقة 77» التابعة للجبهة الوطنية للتحرير.
البدايات.. من الزبداني إلى سجن صيدنايا
قبل اندلاع الثورة السورية بسنوات، دخل زيتون مرحلة مختلفة تماماً من حياته عندما اعتقلته السلطات السورية وأودعته سجن صيدنايا العسكري.
وتشير قاعدة بيانات «الذاكرة السورية» إلى أن الاعتقال وقع عام 2006 على خلفية نشاط مرتبط بنشر الفكر السلفي، بينما تذكر روايات أخرى تاريخاً مختلفاً للاعتقال. ولا تتوافر في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها معلومات دقيقة ومتفق عليها بشأن تاريخ خروجه من السجن.
كانت تجربة الاعتقال في صيدنايا، بالنسبة إلى كثير من الشخصيات التي برزت لاحقاً في المشهد الإسلامي والثوري السوري، محطة فارقة في تشكيل العلاقات والأفكار والشبكات التي ظهرت بعد عام 2011. وفي حالة أبو عدنان، جاءت تلك التجربة قبل سنوات قليلة من انتقال سوريا إلى مرحلة الاحتجاجات ثم الصراع المسلح.
أما من الناحية التعليمية، فتورد «الذاكرة السورية» أنه حصل على شهادة في الهندسة الزراعية من جامعة دمشق. وتوجد روايات متداولة تنسب إليه دراسة الشريعة، إلا أن المصدر التوثيقي المشار إليه هنا يوثق الهندسة الزراعية.
من الحراك الشعبي إلى العمل العسكري
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، كانت الزبداني من المدن التي دخلت مبكراً في دائرة الاحتجاجات والصراع.
ومع انتقال الثورة تدريجياً من الاحتجاجات الشعبية إلى العمل المسلح، شارك أبو عدنان في تنظيم العمل العسكري في المدينة، وأسّس في مطلع عام 2012 كتيبة حمزة بن عبد المطلب، التي أصبحت إحدى التشكيلات العسكرية المحلية في الزبداني.
لم تكن تلك المرحلة مجرد انتقال فردي من النشاط المدني إلى العسكري؛ فقد كانت الزبداني نفسها تتحول إلى ساحة مواجهة ذات أهمية كبيرة بسبب موقعها الجغرافي القريب من الحدود اللبنانية ومن الطريق الواصل بين دمشق ومنطقة البقاع.
ومع توسع نفوذ الفصائل الإسلامية المسلحة، أعلن أبو عدنان في نيسان/أبريل 2013 انضمام كتيبته إلى حركة أحرار الشام الإسلامية، وأصبح أمير الحركة في الزبداني. ومنذ ذلك الوقت ارتبط اسمه بشكل مباشر بالقرار العسكري في المدينة.
الزبداني.. المدينة التي تحولت إلى معركة مفتوحة
كان عام 2015 نقطة التحول الأبرز في مسيرة أبو عدنان.
فمع تصاعد العمليات العسكرية حول الزبداني، تحولت المدينة إلى واحدة من أكثر الجبهات حساسية في ريف دمشق. وفرضت قوات النظام السوري وحلفاؤها، وبينهم حزب الله اللبناني، حصاراً وضغطاً عسكرياً شديداً على المدينة ومحيطها.
وتصف تقارير صحفية تلك المرحلة باعتبارها معركة طويلة ومعقدة، تقلص خلالها نطاق سيطرة الفصائل داخل المدينة، فيما تعرض السكان والمقاتلون لضغوط إنسانية وعسكرية شديدة.
وبحسب روايات صحفية من تلك الفترة، كان أبو عدنان الشخصية العسكرية الأكثر نفوذاً داخل الزبداني، مع وجود مجالس عسكرية وسياسية وشرعية شاركت في إدارة شؤون المدينة والتعامل مع ملف التفاوض.
وبذلك لم تعد مهمة أبو عدنان مقتصرة على قيادة المقاتلين في الميدان؛ بل أصبح اسمه مرتبطاً أيضاً بإدارة ملف المدينة في واحدة من أكثر مراحلها حساسية.
المفاوضات.. الزبداني في مواجهة معادلة «المدن الأربع»
مع استمرار الحصار والمعارك، دخل ملف الزبداني في مسار تفاوضي معقد ارتبط ببلدتي الفوعة وكفريا في ريف إدلب.
وبحلول عام 2015، أصبحت الزبداني جزءاً من معادلة تفاوضية أوسع، شاركت فيها أطراف سورية وإقليمية، وأفضت لاحقاً إلى ما عُرف باسم اتفاق المدن الأربع.
وتشير دراسة حول الملف إلى أن حركة أحرار الشام تفاوضت بشأن الزبداني ضمن هذا الإطار، بينما كان الاتفاق مرتبطاً أيضاً بمصير الفوعة وكفريا. وبعد مفاوضات وتعديلات متعددة، جرى التوصل إلى صيغة نهائية في عام 2017، شملت عمليات إجلاء متبادلة.
كان هذا الاتفاق واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل في مسار الحرب السورية، لأنه لم يكن مجرد اتفاق عسكري لوقف إطلاق النار، بل ارتبط بإخراج مقاتلين ومدنيين من مناطقهم ونقلهم إلى مناطق أخرى.
الخروج من الزبداني
في عام 2017، وصلت قصة الوجود العسكري المعارض في الزبداني إلى نهايتها.
وبموجب اتفاق المدن الأربع، خرج مقاتلو الزبداني وعائلاتهم باتجاه الشمال السوري. وتشير المصادر إلى أن نحو 170 مقاتلاً من الزبداني وعائلاتهم المقيمة في بلودان خرجوا ضمن مراحل تنفيذ الاتفاق، فيما خرج آلاف الأشخاص من مضايا والمناطق المحيطة بها.
لم يكن الخروج بالنسبة إلى أبو عدنان مجرد انتقال جغرافي؛ فقد انتهت بذلك مرحلة كاملة من مسيرته ارتبط فيها اسمه بالمدينة التي قاد المعارك فيها لسنوات.
ومن مدينة محاصرة في ريف دمشق، انتقل الرجل ومقاتلوه إلى بيئة عسكرية جديدة في الشمال السوري، حيث كانت الفصائل المعارضة تعيد ترتيب صفوفها وسط صراعات وتحالفات وانقسامات متسارعة.
من الزبداني إلى قيادة الجناح العسكري لأحرار الشام
بعد وصوله إلى الشمال، لم يبتعد أبو عدنان عن المشهد العسكري.
وتذكر «الذاكرة السورية» أنه شكّل تجمع الشام العسكري وتولى قيادته، ثم عُيّن قائداً للجناح العسكري في حركة أحرار الشام.
لكن هذه المهمة لم تستمر طويلاً.
ففي تشرين الأول/أكتوبر 2017، أعلنت مصادر صحفية استقالته من قيادة الجناح العسكري بعد نحو شهر ونصف من تعيينه. وأفادت «عنب بلدي» آنذاك بأن الحركة لم تعلن رسمياً أسباب الاستقالة.
وبذلك انتهت واحدة من أقصر المراحل في مسيرته القيادية، ليعود مرة أخرى إلى العمل ضمن تشكيلات مرتبطة بمقاتلي ومهجري دمشق وريفها.
تأسيس تجمع دمشق وريفها
في الشمال السوري، بدأ أبو عدنان العمل على جمع المكونات العسكرية المنحدرة من دمشق وريفها، في محاولة للحفاظ على قدر من التنظيم والخصوصية للمقاتلين الذين خرجوا من مناطقهم الأصلية نتيجة عمليات التهجير.
وظهر تجمع دمشق بوصفه إطاراً عسكرياً ضم عدداً من المكونات المنحدرة من دمشق وريفها، وأصبح أبو عدنان أحد أبرز قادته.
وفي تلك المرحلة كان الشمال السوري يشهد سباقاً بين مشاريع مختلفة: فصائل تسعى إلى الاندماج ضمن تشكيلات أكبر، وهيئة تحرير الشام تعمل على توسيع نفوذها، والجبهة الوطنية للتحرير تحاول توحيد مجموعة واسعة من الفصائل المعارضة.
وفي هذا السياق، أصبح الحفاظ على استقلالية القرار العسكري بالنسبة إلى بعض قادة الفصائل قضية مركزية.
الفرقة 77.. مرحلة جديدة
لاحقاً اندمج تجمع دمشق مع تشكيلات عسكرية أخرى، من بينها الفرقة 40، ليظهر تشكيل الفرقة 77 ضمن الجبهة الوطنية للتحرير.
وتشير المصادر التوثيقية إلى أن محمد عدنان زيتون تولى قيادة الفرقة 77، ليصبح بذلك قائداً لتشكيل لم يعد مقتصراً على مقاتلي الزبداني وحدهم، بل أصبح جزءاً من البنية العسكرية الأوسع للفصائل المعارضة في شمال سوريا.
هذه المرحلة شكلت تحولاً مهماً في مسيرة الرجل: فمن قائد محلي في مدينة الزبداني إلى قائد تشكيل عسكري يعمل ضمن إطار فصائلي أكبر.
موقفه من هيئة تحرير الشام
مع توسع نفوذ هيئة تحرير الشام في شمال غرب سوريا، دخل أبو عدنان في مرحلة جديدة من العلاقة المتوترة مع السلطة العسكرية المهيمنة في المنطقة.
وتشير مصادر صحفية إلى أن «تجمع دمشق» بقيادة أبو عدنان كان من بين التشكيلات التي تعرضت لضغوط من هيئة تحرير الشام في إدلب. ففي نيسان/أبريل 2024، تحدثت تقارير عن تحرك محتمل ضد التجمع الذي كان يقوده أبو عدنان في منطقة الفوعة.
وفي المقابل، ظهر أبو عدنان في تسجيلات ومنشورات ينتقد فيها ممارسات السلطة والفصائل المسيطرة في الشمال السوري.
كما نُقلت عنه مواقف داعمة للاحتجاجات والحراك السلمي، مع تأكيده في إحدى رسائله المنشورة على أن الحراك السلمي يجب أن تكون أدواته سلمية، وأنه لا ينبغي أن يتحول إلى صدام مسلح.
وهذه المواقف جعلت حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليظهر بوصفه شخصية لها خطاب سياسي واجتماعي داخل أوساط المهجرين والثوار المنحدرين من دمشق وريفها.
بين الثورة والفصائل والمؤسسة
من أبرز الأفكار التي ظهرت في خطاب أبو عدنان خلال السنوات الأخيرة نقد الحالة الفصائلية والدعوة إلى الانتقال من العمل الفصائلي إلى العمل المؤسسي.
وفي إحدى منشوراته، تحدث عن أن الثورة مرت بمراحل بدأت بالحالة الشعبية، ثم تحولت إلى الحالة الفصائلية بسبب ظروف الحرب، قبل أن يكون الانتقال الطبيعي - بحسب رؤيته - إلى مرحلة المؤسسات.
وتعكس هذه الرؤية تحولاً في الخطاب الذي رافق جزءاً من الفصائل السورية المسلحة بعد سنوات من الحرب؛ إذ لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية خوض المعارك، وإنما أصبح متعلقاً أيضاً بكيفية بناء مؤسسات عسكرية وأمنية وإدارية تتجاوز الانقسامات الفصائلية.
الفرقة 77 في مرحلة ما بعد سقوط النظام
شهدت سوريا في نهاية عام 2024 تحولاً كبيراً مع سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر.
وفي هذه المرحلة، ظهرت تشكيلات عسكرية كانت تعمل سابقاً ضمن الفصائل المعارضة في إطار جديد.
وتذكر تقارير عنب بلدي أن مقاتلي الزبداني شاركوا في عملية «ردع العدوان» ضمن تشكيل حمل اسم اللواء 77 بقيادة محمد زيتون المعروف بأبو عدنان الزبداني، وأن التشكيل اتجه لاحقاً إلى الاندماج ضمن وزارة الدفاع السورية.
كما توثق «الذاكرة السورية» اجتماعاً عقد في كانون الثاني/يناير 2025 بين وزير الدفاع السوري آنذاك وقادة عدد من الفصائل، وكان محمد عدنان زيتون ممثلاً عن الفرقة 77 ضمن تلك الاجتماعات الخاصة ببحث آليات دمج الفصائل في وزارة الدفاع.
وهكذا دخل أبو عدنان مرحلة جديدة تماماً من مسيرته: مرحلة الانتقال من قائد فصيل معارض إلى طرف في عملية إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية السورية.
من قائد مدينة محاصرة إلى شخصية في مرحلة الدولة
تبدو مسيرة أبو عدنان الزبداني، عند النظر إليها على امتداد أكثر من عقد، وكأنها مرت بعدة مراحل متعاقبة.
بدأت المرحلة الأولى قبل الثورة، مع الاعتقال والسجن.
ثم جاءت مرحلة الثورة والحراك الشعبي، قبل أن ينتقل إلى العمل العسكري وتأسيس كتيبة حمزة بن عبد المطلب.
بعدها جاءت مرحلة أحرار الشام، التي جعلت منه القائد العسكري الأبرز للحركة في الزبداني، وصولاً إلى حصار المدينة والمعارك التي جعلت اسمه مرتبطاً بها على نطاق واسع.
ثم جاءت مرحلة التهجير، التي نقلته من ريف دمشق إلى الشمال السوري، ومنها إلى قيادة تجمعات عسكرية أوسع، ثم إلى الجبهة الوطنية للتحرير والفرقة 77.
وأخيراً، بعد التحولات الكبرى التي شهدتها سوريا في نهاية عام 2024، دخلت تشكيلاته في مسار إعادة بناء المؤسسة العسكرية.
إرث الزبداني
لكن مهما تعددت المناصب والتشكيلات، بقي اسم أبو عدنان مرتبطاً بالزبداني أكثر من أي موقع آخر.
فالمدينة التي ولد فيها أصبحت لاحقاً عنواناً لمسيرته العسكرية، والحصار الذي عاشه مقاتلوها شكّل أبرز اختبار في حياته القيادية، ثم جاء التهجير ليضع حداً لمرحلة كاملة من وجوده فيها.
وفي المقابل، فإن تاريخ الرجل لا يمكن قراءته بمعزل عن تاريخ الفصائل السورية نفسها؛ فقد انتقل من التشكيل المحلي إلى الحركة الإسلامية، ثم إلى تجمعات عسكرية أوسع، ثم إلى الجبهة الوطنية للتحرير، قبل أن يدخل المشهد العسكري الجديد بعد سقوط النظام.
لهذا، فإن سيرة أبو عدنان الزبداني ليست قصة قائد عسكري فحسب، بل هي أيضاً مرآة لتحولات عاشتها المعارضة السورية المسلحة خلال أكثر من عقد: من الكتائب المحلية، إلى الحركات الإسلامية، إلى التحالفات والجبهات، ثم إلى محاولة بناء مؤسسة عسكرية واحدة.
وبين الزبداني وصيدنايا وإدلب، وبين الحصار والتهجير وإعادة تشكيل الفصائل، بقي محمد عدنان زيتون، المعروف بأبي عدنان الزبداني، اسماً حاضراً في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في التاريخ السوري المعاصر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
اترك تعليق لتشجيعنا على الاستمرار دمتم بكل خير مع تحيات شبكة زينو ياسر محاميد
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.